الجصاص
155
أحكام القرآن
على هذا الوجه معصية وكفر ، فكرهه الله تعالى وثبطهم عنه إذ كان معصية والله لا يحب الفساد . وقوله تعالى : ( وقيل اقعدوا مع القاعدين ) ، أي مع النساء والصبيان . وجائز أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم قال لهم : اقعدوا مع القاعدين ، وجائز أن يكون قاله بعضهم لبعض . قوله تعالى : ( لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خبالا ) الآية . فيه بيان وجه خروجهم لو خرجوا وإخبار أن المصلحة للمسلمين كانت في تخلفهم ، وهذا يدل على أن معاتبة الله لنبيه صلى الله عليه وسلم في قوله : ( لم أذنت لهم ) أن الله علم أنه لو لم يأذن لهم لم يخرجوا أيضا فيظهر للمسلمين كذبهم ونفاقهم ، وقد أخبر الله تعالى أن خروجهم لو خرجوا على هذا الوجه كان يكون معصية وفسادا على المؤمنين . وقوله : ( ما زادوكم إلا خبالا ) ، والخبال الاضطراب في الرأي ، فأخبر الله تعالى أنهم لو خرجوا لسعوا بين المؤمنين في التضريب وإفساد القلوب والتخذيل عن العدو ، فكان ذلك يوجب اضطراب آرائهم . فإن قال قائل : لم قال : ( ما زادوكم إلا خبالا ) ولم يكونوا على خبال يزاد فيه ؟ قيل له : يحتمل وجهين ، أحدهما أنه استثناء منقطع ، تقديره ما زادوكم قوة لكن طلبوا لكم الخبال . والآخر : أنه يحتمل أن يكون قوم منهم قد كانوا على خبال في الرأي لما يعرض في النفوس من التلون إلى أن استقر على الصواب ، فيقويه هؤلاء حتى يصير خبالا معدولا به عن صواب الرأي . قوله تعالى : ( ولأوضعوا خلالكم ) . قال الحسن : " ولأوضعوا خلالكم بالنميمة لإفساد ذات بينكم " . وقوله تعالى : ( يبغونكم الفتنة ) فإن الفتنة ههنا المحنة باختلاف الكلمة والفرقة ، ويجوز أن يريد به الكفر ، لأنه يسمى بهذا الاسم لقوله تعالى : ( وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ) [ البقرة : 193 ] ، وقوله : ( والفتنة أشد من القتل ) [ البقرة : 193 ] . وقوله : ( وفيكم سماعون لهم ) ، قال الحسن ومجاهد : " عيون منهم ينقلون إليهم ما يسمعون منكم " . وقال قتادة وابن إسحاق : " قابلون منهم عند سماع قولهم " . قوله تعالى : ( لقد ابتغوا الفتنة من قبل ) ، يعني طلبوا الفتنة ، وهي ههنا الاختلاف الموجب للفرقة بعد الألفة . وقوله تعالى : ( وقلبوا لك الأمور ) ، يعني به تصريف الأمور وتقليبها ظهرا لبطن طلبا لوجه الحيلة والمكيدة في إطفاء نوره وإبطال أمره ، فأبى الله تعالى إلا إظهار دينه وإعزاز نبيه وعصمه من كيدهم وحيلهم .